أول منتدى فني أدبي بالمملكة
قطعا للإستطراد، وللعلم وقبل تجاوز النقطة، فقد راودتني الفكرة أصلا عند نجاح تنفيذ أول منتدى أدبي فني يقام في المملكة ويحظى بالنجاح والاستمراريه قرابة عقد من الزمان، وهو الذي كنت هيأت له منزلي بالرياض لينعقد فيه بشكل لقاء أسبوعي مساء كل جمعة، فلم ينقطع طيلة أواخر عام 1991م إلى نهاية عام1999م، وقد ولد نتيجة فكرة من نفس النوع، وكان يضم موسيقيين ومغنين وشعراء وكتاب ومسرحيين وأدباء مهتمين بالفنون، وأغلب المغنين والموسيقيين القدامى في الرياض، الذين لم يزوروا هذا المنتدى، أو لم يشاركوا في جلساته المفتوحة لأي سبب، قد سمعوا عنه تقريظا، بل إنه قد شكل لبعض زائريه نقطة انطلاق وفخر واعتزاز، بعد أن تمت إجازتهم وقبولهم من قبل أعضاء ذاك المنتدى، رغم أن الإجازات كانت شفوية وليس هناك شهادات مكتوبة، ولا هو الجهة المخولة لمثل تلكم الإجازات. وقد تشكلت جل عضوية المنتدى من أسماء معروفة في عالم الفن السوداني، فمن لا يعرف الأستاذ صديق مدثر، الأديب الشاعر الذي تغنى بشعره صفوة فناني الصف الأول بالسودان، ويكفينا أنه من استنطق الصخر العصيَ، ثم هناك الراحل العزيز حيدر حدربي، الذي وضع اللبنات الأولى في أساس الغناء الموجه بالسودان فغنى لأطفالنا "حلاة الزهرة"، أو المرحوم محمد فتح الرحمن، المناضل الذي وهب حياته للكتابة المسرحية، وخلف ضمن الكثير "في انتظار البترول، وزوجة واحدة لا تكفي"، ثم هناك المبدع محمد حسنين "أبوسريع" أشهر من أدى أغنية "السايق البوباي"، يأتي بعدهم في السياق الزمني فتحي حسين، صاحب أغنية "العزيزة" التي رددها ومازال كل السودان، ثم مغني الطمبور عبود تبوري الذي أضاف للمنتدى ثقلا بأغنيات شمال السودان المتفردة، وتثقيفا بشرحه واستعراضه ما يربو على ستة عشر تفرعا من تعقيدات إيقاعات "الدليب" المتنوعة، وقد شكل البلبل الصداح "عوض يوسف" ركيزة أساسية من ركائز ذاك المنتدى.
شكلت كل هذه الأسماء ووجودها الأسبوعي تحت سقف واحد أداة جذب قوية جلبت مدا هائلا من الزائرين المتلهفين أسبوعيا، وعودة للإستطراد في موضوع تجمع الفنانين، فقد دعمني أخي "عوض يوسف" كثيرا وسر لطرحي الفكرة عليه، ومن ثم تولى شرح الموضوع لبعض معارفه من الموسيقيين، الذين لم يتوانوا منذ اللحظات الأوائل، في حمل المشعل معنا، فصرنا نعدو لنجمع شمل من تبعثروا ونلهث لنلم شعث من تفرقوا، ونضمهم تحت لواء يوحدهم، ومظلة تقيهم هجير التشتت.
كان من أول وأكبر همومنا حينذاك إيجاد المقر الذي يصلح لإيواء أعداد، أملنا أن تكون كبيرة، تضم جل الموسيقيين بالرياض، إن لم يكن كلهم، وعرفني حينها أخي "عوض" على رجل يكاد يبرئ المريض بلمسة أو كلمة أو إبتسامة، وقد قدم لنا ذاك الرجل حل مشكلة المقر بأريحية السوداني الذي يقدم كوبا من الشاي لضيف يعزه، عرفني "عوض يوسف" على "أحمد عوّاض"، مؤسس ورئيس دار مدني الخيرية، الذي قدم لي كوب الشاي مصحوبا بالمقر، مشفوعا بخدماته التي أكد لي أنها متاحة دون طلب ولا منة.
جهدنا، (هاشم خوجلي وعوض يوسف)، جهدا خارقا وحفيت أقدامنا سعيا ورهقا، لنشر فكرة الوليد الجديد، مع التركيز في البداية على الموسيقى والموسيقيين، ثم ليكونن لاحقا ضم الفئات الأخرى من فروع الفن، وحدد أربعتنا أخيرا، بعد انضمام "أحمد عوّاض" و"سيف الدين" إلينا، يوما للقاء الكبير ليكون بمثابة جمعية عمومية أملنا أن تتمخض عن الكيان الوليد، فالخبر نشر والدعوات تناثرت على كل أرجاء مدينة الرياض الشاسعة، والدار تهيأت في "صالة الكاشف"، بدار مدني الخيرية، والتي تم إنشاؤها بجهد وبذل خالص من الطرح الكريم لمدينة ودمدني "أحمد عواض" و"عوض يوسف" عملا وبذلا وعطاء.