top of page

د. حمدوك بين حجري الرحى... ود. أكرم كبش الفداء...

أود الرجوع بكم قليلا إلى تاريخ 13 مايو 2020م، عندما خرج علينا وزير الثقافة والإعلام بتصريح ينفي فيه الخروج بتوصية من اجتماع مشترك للسيادي والوزاري والحرية والتغيير، بإقالة وزير الصحة، "د. أكرم علي التوم"، وقد أكد التصريح أن الوزير المعني كان مشاركا في آخر اجتماع لمجلس الوزراء بصفته الرسمية، في نفس اليوم. كما خرج علينا رئيس الوزراء نفسه، في اليوم التالي بتكذيب للخبر، وأكد وزير الثقافة سحب الخبر من بعض المواقع التي نشرته، رغم أنه لم يذكر موقع المجلس السيادي بالإسم، رغم أنه هو الموقع الذي تسرب منه الخبر وملأ ساحات الأخبار. من منا لا يعلم معنى مقولة "الهبوط الناعم"؟ أظنه "د. أكرم"، فهو مشغول عن هذه المهاترات، ملتهٍ بمحاربة تجار الدواء وجعل الدواء سلعة استراتيجية لا تخضع للتلاعب بها أو بتوفرها أو بسعرها، وردع أذرع "مأمون حميدة" الممتدة في تدمير الصحة بالسودان، وتأخذ مقاومة جائحة "كورونا" جل اهتمامه، إضافة إلى إحقاق حقوق صغار الأطباء، الذين يقع عليهم الحمل الأعظم في العمل الطبي وهم مهمشون، باختصار فهو مشغول بأداء عمله كوزير صحة أتت به ثورة، مشغول حتى النخاع. أما أهل "الهبوط الناعم" سواء من مخضوبي اللحى أو رؤساء الأحزاب العقائدية أو المنتفعين منهم، فلم يألوا جهدا ولم يتركوا فكرة، حتى وجدوا الطريقة المثلى للتخلص من هذا الطبيب الشاب الثائر، الذي وقف أمامهم وأمام مخططاتهم التخريبية، والذي وقف وراءه كل الشعب السوداني مؤيدا ومآزرا، فقرروا المتاجرة به، فالشباب الثائر خرج في "موكب 30 يونيو" يطالب، من ضمن مطالبه، بإقالة الكوز فريق أول "عادل بشائر" المدير العام لقوات الشرطة، ووقف "د. حمدوك"، رئيس الوزراء حائرا، فهو قطعا يود إقالة هذا الكوز المجرم قاتل الثوار، ولكن الكيزان يسندون بعضهم، لذلك فهو محمي من قبل جهات متنفذة وصاحبة قرار أعلى منه، ورئيس الوزراء لا يمكنه إقالته، ولو إنفاذا لأمر الشعب، وأنا هنا لا أود وصفه بضعف الشخصية، فالموقف صعب والقرار صعب وقوات الردة من أمثال أصحاب اللحى وتابعيهم، يطلبون إقالة الثائر "د. أكرم"، وشتان ما بين الطلبين. تدخل "الأجاويد" ونصحوا رئيس الوزراء أن يمسك العصا من الوسط، ثم وضعوا المطلبين على طرفي العصا، فهم من جهتهم يضمنون له سكوت الجهات النافذة إن أقال الفريق الكوز، على أن يلتزم لهم من جهته أن يقيل الوزير الثائر. أليست صفقة تحفظ ماء وجهه وتجعله يقول للثوار لقد أوفيتكم الوعد؟ ولكن التخطيط شيء والتنفيذ شيء آخر، فعندما طلب رئيس الوزراء من جميع وزرائه، أو بالأحرى أمرهم، بتقديم استقالاتهم لتمكينه من إعادة تشكيل الحكومة، وافقوا في حين قرأ وزيرنا الثائر ما بين السطور، وفهم المكتوب وغير المكتوب، فبما أن اللغط عليه كثير ومعارضوه كثر، ففي قبوله تقديم استقالته إقرار بفشله في عمله وموافقة على تنحيه، وهو ليس بالفاشل، بشهادة كل الثوار الذين يؤيدونه ويدعمونه، ثم بشهادة تجار الدواء، الذين يريدون تنحيته اليوم قبل الغد، لأنه حجر العثرة أمام تجارتهم بدواء المواطن، أما إن رفض تقديم الاستقالة، فسوف يقوم رئيسه بإقالته رغما عنه، إذن فلتكن الثانية، ولن يلين ولا يخضع لهم، وقد قام رئيس الوزراء بإقالته فعلا. فهي إذن صفقة تحفظ ماء وجه "د. حمدوك" تم فيها تقديم الوزير الثائر "د. أكرم" ككبش فداء، وتم بها تأكيد أن المال والسياسة صنوان ووجهان لنفس العملة، أما التسميات الحديثة والأفكار المستحدثة مثل "التكنقراط" فليسوا من يحكم البلد، بل يكونوا، في أحسن حال مشاركتهم، مستشارين يخططون لثعالب السياسة المخضرمين اللذين يجيدون الخداع والتآمر، وقد ابتلع رئيس وزرائنا، "التكنقراطي" الطعم، وتنفس ثعالب السياسة الصعداء، وهدأت أنفاس الكيزان. هذه قراءتي في واقع الحال، وسوق السياسة في السودان يسيطر عليها القابضون على رؤوس المال، وأصحاب الشركات ومكدسو الذهب هم الحاكمون وهم الباقون، أما الثوار فكما يجيئوا يذهبوا، ولن يبقى غير نفر يحكي الوقائع من وجهة نظره وكما يراها.

 

هاشم خوجلي

bottom of page