top of page

فكرة وتفاصيل وخبايا تأسيس "تجمع الموسيقيين والمغنيين السودانيين بالرياض" وكمية الصراعات والمكايدات التي صاحبت ذلك.

تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
1

 

الفكرة والتأسيس
لم تكن هناك حينها أي أفكار بتوحيد جهود الموسيقيين أو العمل المشترك وترك الخصام والمكايدات والتشرذم، كانت هناك مجموعات نذرت نفسها للتناحر، تكن العداء مبطنا أو سافرا لغيرها، وتلتفت فتعض بعضها، والكل يعمل على هدم ما يبنيه الآخر، والكل ينهش كاحل أخيه، وكان الجميع مشغولا يلهث وراء مال الحفلات التي لا يقدم فيها إلا الغث الردئ من الغناء والركيك المتداعي من الموسيقى. بالحق أستطيع وصف تلك الفترة بفترة الجاهلية الجهلاء، أيام عم السواد كل أنحاء مسيرة فن الغناء السوداني بالمملكة عامة، ومدينة الرياض خاصة، ولا غرو، فلم يكن ذلك إلا انعكاس لما آل إليه حال فن الغناء والانحطاط الذي بلغه في البلد الأم

المساهمون الأوائل
برز إثنان فقط في هذا الخضم والهياج، وهبا النفس والجهد والمال والوقت لقضية حسباها في ذلك الوقت مكسبا للجميع وهما، ​هاشم خوجلي محمد، عوض يوسف محمد، وقد بذلا جهدا خارقا لنشر فكرة التجمع الجديد،  ثم استقطب عوض يوسف زميله محمد البصير وزين له الفكرة وأقنعه بجدواها، وبعدها تهيأت الدار في "صالة الكاشف"، بدار مدني الخيرية


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
2

ميلاد تجمع الفنانين
لا يكون خوض في موضوع تجمع الفنانين، أو موضوع الغناء إجمالا في الرياض، إلا وللأخ الغائب مكتمل الحضور "عوض يوسف" فيه وجود فاعل وأثر واضح، لذا سأبدأ من حيث تكون البداية، سأرجع إلى حين من الزمن لم يكن هناك تجمع للفنانين، وسأكون صريحا واضحا وسأذكر ما أعرف من معلومات أعلم أنها سوف لا تروق للبعض، وقد يجد البعض الآخر فيها سوءا يمسه، فليكن ما يكون، فقد آن لشمس الحقيقة أن تسطع، ولنور الحق أن يعم، فللحق الأدبي قيمة أغلى من الحق المادي، وكل نفس بما كسبت رهينة

لابد لي من الرجوع زمانا للوراء حتى يوم طرأت على خاطري فكرة إنشاء كيان مستقل يضم الفنانين، كل فئات الفنانين، موسيقيين ومغنين وشعراء وكتاب قصصيين ومسرحيين ورسامين، كيان يجمع ويوحد جهودهم، وذلك على غرار "منتدى الرياض الفني" الذي أقمته في منزلي سنوات متصلة، وتحدثت عنه بإسهاب في مكان آخر في هذا السياق، وقد حوى كل مجالات الفنون وفروعها، وكان نتيجة للقلق والوساوس التي باتت تعتريني خوفا على تدني نوعية الغناء السوداني الذي عايشته، وعشوائية مقدميه من موسيقيين ومغنين أعرف قلة منهم وأستهجن كثيرا من ما يقدمون ولا يرضيني في مجال الفنون ما يفعلون. واستنادا على العلاقة الودية الحميمة التي كانت تجمعني بالأخ "عوض يوسف"، وما خبرته فيه من حب لفنه واحترام لعموم الفن السوداني، فقد كان من الطبيعي أن يكون أول من أطرح عليه الفكرة، وقد صادفت هوى صادقا في نفسه لم يخفه، ورحب بها ترحيبا كبيرا، ودعمها دعما غير محدود

أول منتدى أدبي بالمملكة
قطعا للإستطراد، وللعلم وقبل تجاوز النقطة، فقد راودتني الفكرة أصلا عند نجاح تنفيذ أول منتدى أدبي فني يقام في المملكة ويحظى بالنجاح والاستمراريه قرابة عقد من الزمان، وهو الذي كنت هيأت له منزلي بالرياض لينعقد فيه بشكل لقاء أسبوعي مساء كل جمعة، فلم ينقطع طيلة أواخر عام 1991م إلى نهاية عام1999م، وقد ولد نتيجة فكرة من نفس النوع، وكان يضم موسيقيين ومغنين وشعراء وكتاب ومسرحيين وأدباء مهتمين بالفنون، وأغلب المغنين والموسيقيين القدامى في الرياض، الذين لم يزوروا هذا المنتدى، أو لم يشاركوا في جلساته المفتوحة لأي سبب، قد سمعوا عنه تقريظا، بل إنه قد شكل لبعض زائريه نقطة انطلاق وفخر واعتزاز، بعد أن تمت إجازتهم وقبولهم من قبل أعضاء ذاك المنتدى، رغم أن الإجازات كانت شفوية وليس هناك شهادات مكتوبة، ولا هو الجهة المخولة لمثل تلكم الإجازات. وقد تشكلت جل عضوية المنتدى من أسماء معروفة في عالم الفن السوداني، فمن لا يعرف الأستاذ  صديق مدثر، الأديب الشاعر الذي تغنى بشعره صفوة فناني الصف الأول بالسودان، ويكفينا أنه من استنطق الصخر العصيَ، ثم هناك الراحل العزيز حيدر حدربي، الذي وضع اللبنات الأولى في أساس الغناء الموجه بالسودان فغنى لأطفالنا "حلاة الزهرة"، أو المرحوم محمد فتح الرحمن، المناضل الذي وهب حياته للكتابة المسرحية، وخلف ضمن الكثير "في انتظار البترول، وزوجة واحدة لا تكفي"، ثم هناك المبدع محمد حسنين "أبوسريع" أشهر من أدى أغنية "السايق البوباي"، يأتي بعدهم في السياق الزمني فتحي حسين، صاحب أغنية "العزيزة" التي رددها ومازال كل السودان، ثم مغني الطمبور عبود تبوري الذي أضاف للمنتدى ثقلا بأغنيات شمال السودان المتفردة، وتثقيفا بشرحه واستعراضه ما يربو على ستة عشر تفرعا من تعقيدات إيقاعات "الدليب" المتنوعة، وقد شكل البلبل الصداح "عوض يوسف" ركيزة أساسية من ركائز ذاك المنتدى

شكلت كل هذه الأسماء ووجودها الأسبوعي تحت سقف واحد أداة جذب قوية جلبت مدا هائلا من الزائرين المتلهفين أسبوعيا، وعودة للإستطراد في موضوع تجمع الفنانين، فقد دعمني أخي "عوض يوسف" كثيرا وسر لطرحي الفكرة عليه، ومن ثم تولى شرح الموضوع للأخ "محمد البصير" الذي لم يتوان منذ اللحظات الأوائل، في حمل المشعل معنا، فصرنا ثلاثتنا، نعدو لنجمع شمل من تبعثروا ونلهث لنلم شعث من تفرقوا، ونضمهم تحت لواء يوحدهم، ومظلة تقيهم هجير التشتت

كان من أول وأكبر همومنا حينذاك إيجاد المقر الذي يصلح لإيواء أعداد، أملنا أن تكون كبيرة، تضم جل الموسيقيين بالرياض، إن لم يكن كلهم، وعرفني حينها أخي "عوض" على رجل يكاد يبرئ المريض بلمسة أو كلمة أو إبتسامة، وقد قدم لنا ذاك الرجل حل مشكلة المقر بأريحية السوداني الذي يقدم كوبا من الشاي لضيف يعزه، عرفني "عوض يوسف" على "أحمد عوّاض"، مؤسس ورئيس دار مدني الخيرية، الذي قدم لي كوب الشاي مصحوبا بالمقر، مشفوعا بخدماته التي أكد لي أنها متاحة دون طلب ولا منة

جهد ثلاثتنا، (هاشم خوجلي، عوض يوسف ومحمد البصير)، جهدا خارقا وحفيت أقدامنا سعيا ورهقا، لنشر فكرة الوليد الجديد، مع التركيز في البداية على الموسيقى والموسيقيين، ثم ليكونن لاحقا ضم الفئات الأخرى من فروع الفن، وحدد أربعتنا أخيرا، بعد انضمام "أحمد عوّاض" إلينا، يوما للقاء الكبير ليكون بمثابة جمعية عمومية أملنا أن تتمخض عن الكيان الوليد، فالخبر نشر والدعوات تناثرت على كل أرجاء مدينة الرياض الشاسعة، والدار تهيأت في "صالة الكاشف"، بدار مدني الخيرية، والتي تم إنشاؤها بجهد وبذل خالص من الطرح الكريم لمدينة ودمدني "أحمد عواض" و"عوض يوسف" عملا وبذلا وعطاء


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
3

 

أول جمعية عمومية

رغم الجهود المكثفة، إلا أن الحضور كان متدنيا لم يرق لأدنى الآمال التي راودتنا، إذ لم يكد العدد يتجاوز عشر الأسماء التي أحصينا، فقررنا أن نلعب لعبة ليست بريئة بأكملها، ولكن لا ضرر منها بل ستضمن لنا مجيء العدد الذي نريد، إن انطلت عليهم، فأعلنا للحاضرين أن سوف تكون هنالك بروفة كبرى وشاملة في يوم لاحق حددناه، وأن من يجيء باكرا سيحظى بالمشاركة، وعلى الحاضر أن يخطر الغائب. مرت الأيام، وفي يوم الوعد علمنا أن قد نجحت الحيلة، فقد جاء عدد لا بأس به، كان نواة طيبة لجمعية عمومية نبني عليها أملنا.

تم عقد الإجتماع، الذي كان بمثابة الجمعية العمومية الأولى، في أمسية  (الثلاثاء 25 سبتمبر 2001م)،  بدار مدني، وليس كما ذكر أحدهم في موضوع أشرت إليه، ونشر على صفحة أسسوها للتجمع في موقع الفيس بوك، عن انعقاد الجمعية العمومية الأولى للتجمع في يونيو 2001م، أو كما ادعى آخر في صفحة مشابهة بنفس الموقع، أن عمر التجمع قد شارف العشرين عاما، فهذه خطرفات لا أساس لها.

ورغم أن عدد الحضور كان متواضعا، إلا أنها كانت بداية جعلتنا لم نقبل بالقناعة من الغنيمة بالإياب، لذا اعتبرنا أن عدد (21) موسيقيا الذين حضروا سيمثل النواة التي يمكننا أن نرسي على ركائزها أساس الصرح العملاق الذي حلمنا به، والذي طالما راود يقظتي وأحلامي شخصيا، وعلى هذه الصفحة صورة توثيقية لصفحة الإجتماع التأسيسي من أضابير وثائقي عند تأسيس التجمع، وقد وضعت للاجتماع بعض الأجندة التمهيدية التي تمثلت في (حصر العضوية، تحديد طبيعة النشاط، تكوين لجنة تسيير، حسم مسمى "التجمع" ثم أي قضايا أخرى)، وبمناسبة البند الأخير فإني قد استشفيت استخدام مسمى "التجمع" من احتكار أهل السياسة للكلمة حينها، وقررت تصحيح الفهم الخاطئ المنتشر لدى عديد السودانيين، سياسيين كانوا أو مثقفين أو غيرهم، أن هذه الكلمة مجرد مصطلح سياسي يتصل بالأحزاب السياسية وتوافقاتها واختلافاتها المصلحية المتضاربة، وهي في الواقع ذات معنى أقرب ما يكون لما نحن بصدده من معنى لم الشتات وجمع الشمل، وفكرت أن أستخدم المعنى الجيد للكلمة لشئ غير سياسي، فأنا برغم مواقفي الحادة منها، لم أكن يوما من أهلها، وأنا أرى الآن أن حدسي قد صدق، فما زال هذا الكيان يحمل إسم "التجمع" الذي أطلقته منفردا عليه، ولم يقدر أي من الذين حاولوا تشويه الحقائق وافتراء الأباطيل تغيير هذا الإسم الذي درجنا عليه بـ"التجمع" إختصارا.

وبصفتي صاحب أساس المبادرة وأصل الفكرة ورأس العاملين على تنفيذها، فقد إفتتحت الإجتماع بطرح الفكرة وأسهبت في شرحها وتصويرها للحضور، وقد أسعدني أن لاقت قبولا بدا لي كاملا من الجميع، وقد شارك الأخ "محمد البصير" في توضيح الرؤية مركزا على ديمقراطية القرار وجماعية التنفيذ، على حد قوله، واستمعنا بعدها لبعض الآراء من الحضور انصبت في نفس المنوال وأكدت القبول الكامل للفكرة.

من ثم وافق المجتمعون على تسليم المسؤولية الإبتدائية للذين نادوا بالفكرة ليواصلوا الجهد، فولدت في ذلك الإجتماع، وبشكل شبه إجماعي، لجنة التسيير، التي كنا نسميها "اللجنة التمهيدية"، التي تشرفت بتحمل عبء رئاستها، وأشهد الله أنه كان عبئا ثقيلا. ضمت اللجنة "عوض يوسف ومحمد البصير"، وتمت الموافقة على بعض الأسماء الأخرى للمساعدة في عمليات التأسيس الأولية المرتقبة، فأضيف لها كمال عمر وزكي عبدالكريم.


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
4

 

اللاءات الخمس
كان هذا السرد التفصيلي مهما لأن أحدهم نشر مقالا عن الأخ "عوض يوسف" في صفحة أسموها بصفحة التجمع، ومر على كل هذه المعاناة، التي نخرت واستطابت لحم ودم من عاشها وخاض لظاها، مر عليها كأنما لم تكن، وقد أغفل فترة المعاناة والبذل والجهد، وأخطأ واختصر، وهو لم يكن يعلم كل تفاصيلها، ولكنه لم يسأل من عاشها وذاق مرها، وكأن هذه الأشياء قد حدثت من تلقاء نفسها إلى حين أن ادعى أنه (تم وضع النظام الأساسي "الدستور") على حد زعمه، وكأن كل شيء كان سلسا ميسرا حلو المذاق، ومثل قوله بالحرف، وقد تركت الخطأ عمدا (تكونت لجنة تنسيقه وتحضيرية من اجل الدعوة لانعقاد الجمعية العمومية الأولى وكان ذلك في يونيو2001م ,)، ومن ثم قوله (بعد أن تم الانتهاء من وضع النظام الاساسى " الدستور "). الحقيقة أن هذا الكلام المردود يجانب الحقيقة إجمالا وتفصيلا، وسوف أرده على مبتدعه بمجموعة من "اللاءات" والإنكران المبرر كالتالي:-


لا، لم تتكون لجنة من أجل الدعوة لانعقاد ... إلخ...، ولكن أفراد بعينهم، (هاشم – عوض – البصير)، حملوا حلم القضية فوق أكتافهم وتحلوا دون غيرهم بالمسئولية، ونادوا الجميع ليتحقق الإنعقاد للجمعية العمومية الأولى.

لا، لم يكن هنالك إعلان عن قيام جمعية عمومية أولى، بل كان إعلانا مبطنا عن بروفة موسيقية غنائية، والسبب الفشل الذي منيت به المحاولتان السابقتان لعقد جمعية عمومية، فقررت حينها أن أخاطب القوم بما يفهمون.
لا، لم تتم تلك الأحداث في يونيو 2001م، بل بعد عدة أشهر في نهاية سبتمبر من ذلك العام.
لا، لم يتم أي من هذا بعد الإنتهاء من وضع ما أسماه بالنظام الأساسي.
لا، لم يشارك أي فرد من أعضاء التجمع، في وضع هذا النظام، الذي أسميته حينها المسمى الصحيح قانونا وهو مسودة اللائحة التنظيمية.

وأنا أورد كل هذه الوقائع من أضابير الوثائق التي مازلت أحتفظ بجلها، ومن بينها القائمة السابقة بأسماء من حضر الجمعية العمومية الأولى في التاريخ الذي ذكرت، وصورة من طلب عضوية التجمع، الذي صممته بنفسي، والذي تم توزيعه لكل المشاركين بالنشاط حينها، ثم بالطبع الوثيقة المعنية وهي مسودة اللائحة التنظيمية. ويجب على من يود التوثيق حمل الأمانة فوق عنقه والإلتزام بذكر الحقائق وإن كانت في غير صفه، حتى لا ينقلب التوثيق تزويرا.

آثرت التواري بعد ذلك لفترة طالت فرضتها علي ظروف معيشية قاهرة وساهمت في اختياري البعد عن جو التجمع، الذي يؤسفني القول أنه لم يكن فيه غير المكايدات والدسائس والمغالاة في اختيار طرق المعارضة والمشاكسة، مما فرض على ترك الحمل لمن يقوى على التعايش في مثل هذا الجو غير الودي، زيادة على ما أكسبتني مواقفي الجادة من عداء بعض الموسيقيين بسبب انتقاداتي الفنية الصارمة لهم، ومواجهاتي بسوء تقييمي ومحاولاتي التي لم يرضوها لتقويم أدائهم، الذي ظننت حينها قصوره، وأثبتت الأيام بعد نظري وصحة تقييمي لهم. هذا لم يكن الجو المناسب لي، لذا فقد انقدت لظروف العمل ولمشاكل شخصية جرفتني، فابتعدت ونأيت بنفسي عن أجواء مشحونة أصلا بالعداء والتوتر، وقد تم أثناء تلك الفترة رحيل التجمع من دار مدني، بعد العديد من المشاكل التي لم تكن تخفى على من يهتم.


 


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
5

 

 

اللائحة التنظيمية
أما الحديث عن ما أسماه بعضهم بالنظام الأساسي، فهو موجع وفيه من الإجحاف ما لن أسكت عليه، وسأسوق الحقائق وعلى من يكذبني إثبات العكس ودحض ادعاءاتي، وما غادرنا ممن عايش تلك المجريات إلا القليل، ومعظمهم موجودون ويمكن إظهار كذب الكاذبين ومحق إفتراءات المفترين.

كنت في ذلك الحين أطلب من أعضاء لجنة التسيير، كجزء من واجبهم لبناء الصرح، وكدليل على حسن ظني بهم، أن يوافني كل منهم بما يرى ملاءمته لتضمينه في مسودة اللائحة الإبتدائية، التي آليت على نفسي كرئيس للجنة التمهيدية أن يتم تقديمها كمسودة تطرح أمام جمعية عمومية لتعديلها ومن ثم إجازتها دستورا، ولكني أعترف آسفا أنه لم تكن هناك حياة لمن ناديت، فوجهت اهتمامي وخطابي لبقية الأعضاء، متخطيا أعضاء اللجنة، أستجديهم فكرة، مهما كان حجمها صغيرا، يوافوني بها، وأنا كفيل بطرحها في اللائحة للنقاش، ولم يكن ذلك لقصور في إمكانياتي، بل إني بحمد الله أزخر بما طاب وأثمر، والدليل ما أنجزت في تلك الأيام وحدي، ولكن كان ذلك حينها كي أعمم روح التشارك والعمل الجماعي، وحتى يحس كل فرد أنه قد أسهم في وضع لبنة ستبقى وإن ذهب، ولكن أتت النتيجة ثانية كأنما كنت أطرق حديدا باردا بمطرقة من خشب. لم يتقدم ولا شخص واحد، بمقترح صغير لأضمنه في اللائحة، ولا شخص واحد، وأعيدها مرات مؤكدة، ولا شخص واحد، رغم ظني أن التجمع، في أول عهده كان يضم نخبا من الموسيقيين المتمرسين المهمومين بإنجاح مسيرة هذا الكيان، إلا أن واحدا منهم لم تراوده نفسه بتقديم فكرة تكون نواة لبند يساهم في رسم السياسات التي تحكم تطور كيان يضمه ويهمه ويمثله.

أخيرا أكملت وحدي مسودة اللائحة التي أزمعت تقديمها للجمعية العمومية، كالإنجاز الذي يخول اللجنة التمهيدية القول هاؤم إقرأوا كتابيا، وبعدها يتنحون لمن يواصل المسيرة.

أود هنا أن يكون حديثي واضحا لا لبس فيه، فقد وضعت"مسودة اللائحة التنظيمية" بكاملها بمفردي، حتى اكتملت وآن أوان تقديمها للمناقشة، دون مساعدة من أي كان ودون مشاركة مهما صغرت، ولم يكن لأفراد لجنة التسيير ولا لأعضاء التجمع أفرادا أو مجتمعين أي دور، إلا في جعلي أحس بالإحباط ثم أستصغر شأنهم لعدم مشاركتهم، وهو ما كنت أظن واجبهم، لم يقدموا لا القليل ولا أقل، في إضافة حرف واحد في تفاصيل البنود التي سهرت الليالي أضعها وأنقحها، والتي أسوق، إحقاقا للحق وتوثيقا للواقع الذي حدث، أن السيدة المحترمة زوجتي، وهي ذات خبرة وتمرس بعمل النقابات والإتحادات بالسودان، كان لها اليد الطولى في مراجعة ما اقتبست وتصحيح بعض ما ارتجلت، وكان لنقاشها المطول معي في كل تفاصيل مسودة اللائحة، فضل صقلها وشمولها كل النواحي، حسب ظني، رغم أنها بالطبع لم تكن عضوا بالتجمع ولم تكن مسئولة عن تقديم ما قدمت من عطاء لا يعلم به غيري.

وزعت صورة المسودة المكتملة للائحة على أعضاء اللجنة ليراجعها كل منهم على حدة، ويحدد مرئياته، كي نستطيع أن نناقشها سويا، لإضافة أو استبعاد ما يرون، قبل عرضها على الجمعية المزمعة، وقد كانت تلك بمثابة الفرصة الأخيرة التي قدمتها لأعضاء اللجنة للإدعاء أن أيا منهم قد شارك في وضع دستور التجمع، لو قدم لي أي منهم سطرا مكتوبا أو تعليقا شفويا، ولكنهم أضاعوها مجتمعون، ولا يمكن أن يكون من لم يشارك ولو بحرف هو مبتدع الشيء وإن قدم بإسمه إلا تجنيا.

وضعت اسمي والفترة الزمنية التي استغرقها مني إكمال العمل، وهي (26 يناير --- 4 أبريل 2002م)، ضمن المقدمة، ولو كان قد شارك في هذا العمل فرد آخر غيري لما تجرأت وأهملته ووضعت اسمي وحيدا، وأضفت كحسن تقدير وإحترام مني للجنة التي أترأس، مقدمة بالصفحة الأولى ذكرت فيها، تجاوزا وليس واقعا بمعنى المشاركة، ما نصه "تتكون اللجنة المؤقتة التي وضعت الأساس لهذا الدستور من" وأدرجت أسماء أعضاء اللجنة المؤقتة آنذاك، والأسماء كانت (هاشم خوجلي محمد، رئيسا - محمد علي البصير، سكرتيرا - عوض يوسف محمد، مسئولا ماليا - علي يعقوب كباشي، مسئولا فنيا - كمال محمد عمر، مسئول تعاقدات - زكي عبد الكريم، مسئول علاقات عامة). والحق أن لجنة التسيير تلك لم تكن تعلم عن ما حوته اللائحة أكثر من علم بقية الأعضاء، رغم أني سلمت بيدي كل عضو فيها نسخة لمراجعتها، إذ بت واثقا أن أحدا منهم لم يقرأ حرفا منها. أعلم أن هذا العمل كان من صميم واجباتي ومهامي كرئيس للجنة المسيرة، ولكن هل علم بقية الأعضاء أنه كان واجبا مشتركا يقع على كل اللجنة، رئيسا وأعضاء؟، بل هو يشمل كل أعضاء التجمع، لقد كان ذا عملا جماعيا قمت به فردا، فلا يتوقعن أحد أن ألزم الصمت حين ينشر نص باسم التجمع، في موقع علني، بتوقيع أحد مسئولي التجمع، ويوجه خطابه لجميع أعضاء التجمع، ولكل من يعرف التجمع، أو من يقرأ عن التجمع، بالرياض أو المملكة أو بالسودان أو شتى بقاع العالم، يقول فيما يقول ما نصه "تم وضع النظام الأساسي (الدستور)"، كأنما هذا النظام قد تم وضعه من قبل قوى خفية لا قبل لنا بها، أو لا نستطيع ذكرها جهارا، ولو أراد الكاتب تحري الحقيقة أو الدقة لقال مثلا "وقد أتم رئيس لجنة التسيير (هاشم خوجلي) وضع النظام الأساسي (الدستور)"، حتى يتأكد أنه يوصل المعلومة الصحيحة لكل الأعضاء وكلهم يعلم أنه لم يشارك  فيه بحرف واحد.

هذا تغول ومجافاة للحقيقة يدفعني احترامي لذاتي وعلو تقييمي لجهدي وحسن تقديري لإنجازاتي، للمطالبة بإثبات حقي فيه، وهو كله حق لي، بل يخولني اقتلاع هذا الحق إن دعى الحال، وهو حق إكتسبته بجهدي الخالص، لم ولن يشاركني فيه مشارك.


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
6

فخر واعتزاز

يكفيني فخرا ورفعة وسموا أن كل ما يجني الموسيقيون اليوم بالرياض، وكل ما ينتج من جنيهم بالمملكة العربية السعودية، أفرادا أو جماعات، من انتساب وانتماء أو من ثمار وطرح، بل كل ما سيفخر أيهم بتحقيقه يوما في المستقبل القريب أو البعيد، وكل ما سيظل مسطرا في تاريخ الإنجازات للموسيقى السودانية، بما يتضمن أو يشير إلى كيان "تجمع الموسيقيين والفنانين السودانيين بالرياض"، أو ما قد يشير إليه لاحقا من اسم قد يبتدعونه، هو مردود تفكيري وجموح تخيلي ونتاج جهدي وثمار ما صنعت بيدي، وما أرسيت من قواعد بنائه بعزمي وكدي، وسواء أقر بذلك من أقر أو أنكر من أنكر، أو حتى إن تم تهديم ما بنيت وتحطيمه يوما، فسيظل التاريخ يذكر لي أني قد صنعت من العدم "تجمع الموسيقيين والفنانين السودانيين بالرياض"، وسأظل أفخر بذلك

هاشم خوجلي
مبتدع ومنفذ فكرة
تجمع الموسيقيين السودانيين بالرياض


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
7

 

خفقات الوجدان

 

أتناولُ بالحديث في هذا الموضوع أخوَيّ الفقيدين "أحمد عوّاض" و"عوض يوسف"، وقطعاً سوف يسوقني الحديث لناحية "تجمع الفنانين ودار مدني" وسوف أُكمل جهدي بنشر كتابي على هذا الموقع "السودانُ فنونٌ وحضارةٌ" وموقع "فنون سودانية متميزة"، وهما ما أملك عليه القرار، ثم بتجربة كل ما تطول يدي من مواقع تجمع الفنانين والصفحات المعنية المتناثرة.

يتضمنُ الموضوعُ سردٌ وتفصيلٌ للحقائق التي لا ينكرها أعضاء التجمع عن جهل بها، بل تعامياً عنها وتحريفاً لها، فهي كانت وستظلُ أساسياتُ قيام التجمع، الذي وحَّدهم وآواهم وصار البناءُ الذي تعاظمَ ليستظلوا به، ولكنهم في ضلالهم يَعْمهونْ، ومنْ خيرٌ مني، أنا "هاشِم خوجَلي"، يشهدُ على أدقِ تفاصيل قيام التجمع، فأنا صاحبُ فكرَتِه ومفتِّقُ أساسِها وأنا صاحبُ تخيُّله ومنفذ مبادرته، ومنْ خيرٌ من "عوضْ يوسف" يُوصفُ بأنه أحدُ قِلةٍ صنعوا التجمُّعَ وهو من ساهم بالجهد والوقت والمال، من وراء ظهور مَن باتوا يتشدقون بلغوِ الكلام، لقيامِ هذا الكيان، ومنْ خيرٌ من "أحمد عوّاض" يُوصف بأنه مَن آزرَ ودعم جهودَ قيام التجمُّع وهو مَن لم يدخرْ وسعاً في المساعدةِ بل هيَّأ وقدَّم حتى المكانْ.


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
8

 

 

عوضْ يوسف
"الله لا جَابْ يومْ شُكركْ يا عوضْ يوسف"

وقد جاءَ وحلّ علينا هذا اليومُ الأسودُ الداجيْ، فقد تعودنا، في ثقافاتنا المَوروثة
​والمُكتسبة، أنْ ننسى مَن يطولَ غيابُه عنّا. يساعدُ في ذلك انشغالُنا بهمومِ ومشاكل الحياة اليومية، ويزيدُ الطينَ بِلةً مَساربُ الغربة المتداخلة الملتوية وانكفاءُ كلٌ منا على ما لديه من مُتطلباتٍ يومية لا تُصيب نجاحاً فتصير شهرية، ثم تتراكمُ لا يصيبها نجاحٌ فتنقلب سنويةٌ، وقَلَّ مَن تمكَّن مِن مَلئها أو تحييدِها، ناهيكَ عَنْ مَنْ تجاوزَها أو تغلَّب عليها.

ورغما عن أنّ المثلَ الذي يقول "بعيدْ عن العينْ بعيدْ عن القلبْ"، مثلٌ خاطئٌ ولا يُمثلُ الحقيقةَ الواقعة، ويُرادُ به أصلاً التهكمُ على مَن لا يُولي الناسَ اهتماماً إلا في وجودِهم، إلا أنه المثلُ السائدُ الشائعْ، وهذا ما أثار هذا الموضوعَ الشائك، وقد خَطَطْتُ هذا الموضوعَ المؤلمَ عن أخي الحميمِ "عوضْ" قبلَ أكثرَ من ستةَ أشهرٍ على رحيله عنا، وقد أمِلتُ حينَها أنْ عساهُ يتسببُ في تحريكِ من تضخمتْ قلوبُهم فقَلَّ دفقُها وتحجَّرتْ مشاعرُهم فمات حِسُّها.

الأخُ الفنانُ الموسومُ برَوعة الصوت ورِقة النبراتِ، صاحبُ الألحانِ الجميلةِ والأداءِ الحسنْ وصدقِ التعبيرْ، صديقُ الجميع وحاملُ همِّ المحتاج، أخي وصديقيْ "عوضْ يوسف" يَلزَمُ منذُ فترةٍ سريرَ المرضْ بمنزله في مدينته ودْ مَدني، فمِن المنزلِ ضعيفاً عليلاً، إلى المستشفى مسنوداً متداوياً، لمراجعاتٍ لا تنتهي حتى تبدأْ. كانت في صوته نبراتُ عتابٍ ولَومْ لم يحاول إخفاءها، ونحن على الهاتف نسترجعُ بعضَ الذكريات المشتركةِ للغربة في مدينةِ الرياض القاسية، فقد قال لي أنَّ الناسَ نَسِيَتُه وأهمَلته وأنه قد صار أثراً بعدَ عينْ، وأنَّ لا أحدٌ في دنيا الفنانين يذكُرُه، وغابت المعارف والتَهَتْ الناسُ عنه، بعد أن كان يشار له بالبَنانِ حين البحث عن مغن مجيد يصدح، ويقصُده صاحبُ الحاجة إن تقطعت به سبل قضاء حاجته. حاولتُ مخالفته ونفْيِ ما بدرَ عنه، ولكني لم أستطِعْ مغالطةَ نفسي، فهو على حقْ، فمَن مِن الفنانين، الذين يَهنَؤُون اليوم بما صار لديهم من صَرحٍ ينضوونَ تحتَ لوائه، يَذكرُ "عوضْ يوسف" وما بَذلَ وقدَّم في سبيل إنشاءِ تجمعِ الفنانين السودانيين بالرياض، وتحقيقِ فكرتهِ وإنجازِ خيالي الجامحٍ الذي جاد بها.

تحدثتُ بعدها هاتفيا مع بعض من تسلقوا حتى صاروا المسئولين عن تجمع الفنانين، ضمن موسيقيين ومعارف آخرين ومسئولين بالسفارة السودانية بالرياض، تحدثت عن أخي "عوض" وطرحت الفكرة بوجوب تَذَكُّرَهُ والقيامَ  بأي عمل جماعي يجعله يعرف ويحس أن الناس لم تنسه، مثل إقامة ليلة لتكريمه وإيفائه ولو بعض حقه، ومن ثم إرسال ريعها له لمعاونته على سد بعض متطلبات العلاج الباهظة، فاتفقوا جميعهم، أنهم يوافقونني الرأي، وزادني بعضهم أنه سبقني في هذا الصدد، إذ تحدث عن "عوض" في موضوع عن تجمع الفنانين، نشره في صفحة التجمع بموقع التواصل الإجتماعي "الفيس بوك"، وأنه قد أعطى "عوض" حقه كاملا وأوفاه قدره مكملا، لذا وجب بذلك أن تنتفي أسباب شكوى "عوض" من هجر الزملاء له، وكأنه اعتقد أن مجرد الحديث عن "عوض يوسف"، في موضوع مبهم ينشر في موقع مجهول، بقادر على أن يعطيه حقه ويوفيه قدره ويرد له بعضا من إنجازه في الواقع المعاش في ساحة الفنون في المملكة، وبالذات في مدينة الرياض، وحق "عوض يوسف" وقدره وإنجازه يسوي بل يفوق كل ما يفخر بتنفيذه تجمع الفنانين على مر السنوات، منذ أن شيده لهم عوض.

بحثت عن الموضوع الذي أشاروا إليه ممنيا النفس أن يروي غليلي ولو قليلا بذكر حق "لعوض يوسف" وقرأته، وياليتني بقيت على جهلي، وليتني لم أقرأه، فليس فقط أنه ما أشبعني ولا أرواني في حق "عوض" المهضوم المنسي، بل إنه أثار وجعا في دواخلي بتزييف الوقائع وتكذيب الحقائق ونكأ جرحا في أعماقي كنت أظن أني تجاوزته، ولكني سوف أرجع لتفصيله لاحقا.


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
9


 

 

أحمد المصطفى عوّاض
كنت كطفل وجد نفسه في باحة واسعة ليست لها حدود ملئت جنباتها بالحلوى والكعك والبسكويت وكل ما تطيب له نفوس الأطفال من لعب وألوان بهيجة، وكان هناك دوما من يحث هذا الطفل الشره داخلي على أخذ ما يريد دون أن يرعوي فهناك الكثير، ويطمئنه قائلا لا تفزع إن وقع منك شيء، فستعوضه بخير منه فهناك دوما مزيد. كان هذا في حدود عام1998م حين كنت وصديقا أدعو الله أن يكون الآن في صحبة خير الأنام ويجالس الصديقين وحسن أؤلئك رفيقا، وهو أخي المغفور له بإذن الله "عوض يوسف محمد"، كنا نحاول جمع كلمة من يدعون أنفسهم بالفنانين وهم الموسيقيين والمغنيين المتفرقة كلمتهم في مدينة الرياض، وكان من ضمن تحركنا سويا في هذا السبيل أن عرفني على رجل لا تلد حواء مثله كل يوم، وقدمه لي بأنه الشخص الذي سوف أجد لديه الخلاص. كان رجلا يستقبل أخاه ببسمة مرحبة ويمسح بنظرة أساه، ويضمد بكلماته جراحه، فهو رجل ما أن يلتقط من شخص ما طرف خيط من معاناة أو يلم بجانب من مشكلة، حتى يبعد صاحب المشكلة ليتولى عنه الجهد ويتصدر ليزيل المعاناة، مجنبا له إهراق ماء الوجه أمام من لا يهتم، لأنه منذ لحظة سماعه عن مشكلة شخص ما تصير في نظره مشكلته الشخصية، ولا يهدأ له بال ولا يقر له قرار حتى يجد لها الحل ويكون على يديه الشفاء، غير آبه لما يصرف من حر ماله إن صرف أو ما ينفق من عزيز وقته إن أنفق، فهو ليس كريما جوادا فحسب، بل هو الكريم الجواد بغير من. هذا الرجل الأسطورة هو المهندس الميكانيكي "أحمد المصطفى علي عوّاض"، ولا تكون صدفة ولا يكون غريبا أن تأتي معرفتي ولقائي بمثل هذا الرجل الشامخ على يدي شبيهه وصنوه، فـ "عوض يوسف" مثله ولا يقل عنه في كريم صفاته وحلو معشره وطيب خلقه، وقد شبا أخوين من قديم زمان وأتيا لبلد الغربة من نفس المدينة التي أخرجت لنا هامات شامخات من رجال السودان الذين خلدوا أسماءهم وخلدوا من تراثنا ومجد ماضينا، مدينة ودمدني العريقة.

عرفني أخي "عوض" على أخي "أحمد"، وكأن كل منهما دوحة غناء ممتدة مليئة بالمغريات أمام طفل جحظت عيناه وزاغت وهو يتوزع لا يستطيع أن يحتوي كل ما يجد، كان "أحمد عوّاض" متحدثا لبقا يدير دفة الحديث بمهارة لا تتيح لسامعه فرصة لشرود أو ركود، وهو يحدث في كل شيء، ويعرف ما يجذب انتباه سامعه فيغمره به، فهو سياسي وهو إبن بلد وهو ملم بتاريخ السودان وتراثه، ومن أكثر ما كان يأسرني تناقضه الصريح الذي كان مثار تندري عليه، عليه رحمة الله ومغفرته، فهو يحكي عن السودان حكايات العارف الخبير، كمن لم يفارقه قط، وهو من لم يزر السودان عشرات السنين الممتدة، ويحدثك عن التداوي بالأعشاب وفضلها، ويفصل لك خصائص كل نبتة واستشفاءاتها، وهو من يشتكي من عديد العلل التي استوطنت بدنه حتى تآكلته تآكلا، ثم هو يعطيك من الأدعية والأذكار ما يملأ عليك كل ليلك قياما، وقد يحيد بك لعالم الموسيقى والغناء كمتلق له رأي وموقف، وهو يحب الموسيقى ويذوب مع صوت جميل، أما لو صار الموقف إلى العمل العام ومساعدة الآخرين والبذل والجهد، فهي اللحظات التي يسكت فيها "أحمد عوّاض" عن الكلام إذ لا ترى منه حينها غير العمل، فيضرب للآخرين خير المثل بنتاج جهده وثمرته، وما "جمعية ودمدني الخيرية" و"الصالحية" اللتان جمعتا السودانيين من كل حدب وصوب، قبل وبعد التقسيم، واللتان كونهما من فراغ وأسسهما من مجرد فكرة حتى صارتا واقعا يناطح آفاق المعالي، ثم جاءت من بعدهما "صالة الكاشف" لتزينهما وهي التي أقامها وبناها من جيبه الخاص، ما كل هذا إلا الدليل الحي الناطق، الذي لا يجرؤ من يخشى تزوير الحقيقة، على دحضه أو إنكار جهده وتفانيه وبذل نفسه وإيلائها لقضاء حاجات الغير، أما ما خبا عن أعين الناس فهو المحتاجون الذين أقال عثراتهم وأصحاب المشاكل التي تبناها عنهم والمواقف التي لا يقول ولا يحكى لأحد عنها، ولكن صلتي بالراحل المقيم "أحمد عوّاض" قد بلغت رغم هذه الفترة القصيرة ما خولني معرفة خبايا علاقته بالمساكين والمحتاجين وكيف كان يوزع عليهم ما في يده خفية، ولم أطلع على هذه التصرفات وهذا التكتم إلا بعد أن أقعده المرض فصار يطلب إلي أن أقله بسيارتي لمشوار شخصي، أكتشف خلاله أنه يوزع المال والمأكل للمساكين.

ألا رحم الله "أحمد عواض" بقدر ما أقال من عثرات وبمثل ما قدم من أياد بيضاء ناصعة، شهدت على قليلها الذي رأيت، وأسكنه منزلا عاليا في الجنة.


تجمع الموسيقيين السودانيين
بالرياض
توثيق كيفية وتفاصيل التأسيس
هاشم خوجلي
10


 

 

دار ودمدني الخيرية
حان الوقت الآن لذكر دار مدني وصالة الكاشف، ودورهما وما أدياه من تبن ورعاية ودعم للكيان الوليد، وللحق فإن لدار مدني وصالة الكاشف يد عليا في ولادة التجمع، ومثل سردي عن التجمع سأبدأ من البداية عن دار مدني، وسيكون مرجعي في ذلك الشخص الذي قامت على كتفيه كل البنى التحتية للدار والملعب، لذا زرت الباشمهندس "أحمد عوّاض" في منزله وجلست أستمع لسرده الدقيق لكل الوقائغ التي ما كان تصرفي فيها إلا من حيث صياغتها وإعدادها لكتابتها فقط.

أحمد عوّاض ميكانيكي بسيط من أبناء مدينة ودمدني، عمل بيده وبنى مجدا تالدا وأسس عزا فريدا، وجنى من جهده غير حب الناس وتقديرهم له، توجههم إليه عند حاجاتهم الدنيا قبل الكبرى. حذق "أحمد" عمله لدرجة أن صار يسبق إسمه لقب "باشمهندس" وتوسع فيه حتى صار يمتلك مركزا كبيرا مشهورا لصيانة السيارات في مدينة الرياض، وحين أقبلت عليه الدنيا أعطى الناس حقها، وتعودت يمينه أن تخفي ما تجود به عن شماله.

في عام 1998م تم انتخاب الباشمهندس "أحمد عوّاض" رئيسا لفريق مدني الرياضي الذي تم تأسيسه في نفس العام، وقد بدأ نشاطه كفريق لكرة القدم ليضم أبناء ود مدني. شاع اسم الفريق وعم أرجاء مدينة الرياض في فترة وجيزة وجذب أولا رياضيي ود مدني، ومن ثم كافة مواطنيها، ولكن كانت المشكلة حينئذ تتركز في استئجار الملاعب والضغط المادي الذي تواصل، إذ لم يكن لدى الفريق مكان لمباشرة نشاطاته فكانوا يضطرون للإستئجار المؤقت للملاعب لأداء وممارسة التمارين، مما يستدعي الكثير من الصرف المادي، إلى أن تمت تهيئة ملعب بجوار ساحة المخدرات بالملز. وبما أن "أحمد عوّاض وعوض يوسف" كانا زميلين يمارسان رياضة الملاكمة سويا في مدني، وقد خاضا العديد من المنافسات، منها الدولية، فقد استغلا الفرصة حين سنحت لهما لمعاودة النشاط الرياضي، وإن كان للتحمية والحفاظ على اللياقة البندية فقط، ولم يترددا.

أخيرا، وبعد حوالي عام كامل من تلك البداية، إنتقل نشاط الفريق إلى دار مدني قرب مقبرة العود والساحة المجاورة التي أطلقوا عليها إسم "ملعب مدني وأوربي"، كناية عن الملكية المشتركة للملعب، ومن ثم اعتمدت أيام السبت والإثنين والأربعاء من كل أسبوع أياما للنشاطات، فصارت تلك النواحي من مدينة الرياض تشهد زخما ونشاطا كثيفا في الأيام المحددة، وكانت الأمسيات تتوج بفواصل غنائية شجية يصدح بها البلبل "عوض يوسف" بعد كل تمرين أو مناسبة تجمع المدنيين في دارهم أو ملعبهم، وساعد هذا في سريان إسم دار وفريق مدني في أوساط السودانيين بالرياض، وجذب العديد من المشاركين الجدد في كل المناشط للدار والفريق.

حين كثر الأعضاء واستقر المقام، وصار لمدني دار وميدان تقام به المنافسات الرياضية، فكر الباشمهندس "أحمد عوّاض" في إكمال العقد وتزيين الدار بإنشاء صالة فنية تؤوي النشاط الذي بدأه "عوض يوسف" بتفانيه وإخلاصه ومافتئ يتكاثر، ألم أذكر في بداية حديثي عن "عوض يوسف" أنه لا يكون خوض في موضوع الغناء في الرياض، إلا وللأخ "عوض" فيه وجود فاعل وأثر واضح، ويكون اسمه مربوط به؟.

تم اختيار إسم "صالة الكاشف للثقافة والفنون" للتدليل على عمق ارتباط إسم "إبراهيم الكاشف" إبن مدني بود مدني مثل عمق إرتباطه بأصالة الغناء السوداني الذي ساهم في إرساء دعاماته، وقد أنشأ الباشمهندس الصالة على حسابه الخاص ومن جيبه الشخصي كاملة مكملة من أجل عيون ود مدني، من دون من ولا أذى.

جذبت "صالة الكاشف" حضورا كبيرا لمحبي الغناء في عمومه وغناء الحقيبة خصوصا، وذلك لوجود الرائع "عوض يوسف" اليومي، وفي معيته العازف "محمد البصير" الذي كان يصاحبه أحيانا بالعزف على آلة الأورغن فتخرج الأغنيات موشاة في بوتقات مزركشة بالجمال. وقد أسهم "عوض" كثيرا في امتلاك الصالة لعدد كبير من الكراسي وبعض الآلات الموسيقية.

في تلك الفترة من عمر الدار والصالة أطل عليهما تجمع الفنانين، وتوالت الأحداث التي سردتها قبلا عن التجمع، حتى صار أعضاء التجمع يأتون لممارسة نشاطاتهم بالصالة، وليس منهم من يعرف إلا أقل القليل عن الجهد والتعب والإهتمام الذي تم لتأمين هذا الموقع، والبذل والعطاء الذين يتواصلا للحفاظ عليه، والموقع لا شبيه له في كل مدينة الرياض الواسعة.

كان أعضاء التجمع حين يأتون يجدون كل شئ بالصالة جاهزا، فالمكان نظيف ومهيأ والكراسي مصفوفة في انتظارهم وحافظات الماء مملوءة تدعوهم للإستمتاع بما حوت، لم يكن عليهم غير الإنخراط الفوري في معالجة آلاتهم وممارسة ما أتوا من أجله، وقد كان وراء كل تلك التجهيزات والإستعدادات جنديا مجهولا من خلف " أحمد عوّاض" هو "سعد فرج" مدير الدار حينها.

تم الإتفاق في البداية على أن يدفع التجمع مبلغ 700 ريال سنويا كمساهمة في إيجار المقر، وفي بداية العام الجديد رفع صاحب العقار إيجاره فارتفع المبلغ بالتالي إلى 1000 ريال، إستكثرها أهل التجمع وماطلوا في دفعها، وسوف أعزو سبب عدم الدفع إلى عدم إلتزام أعضاء التجمع بدفع إشتراكاتهم الشهرية، وبذا لم يكن يتوفر لديهم ما يكفي للمساهمة في إيجار الدار، وتغطية مصروفاتها، وأنا خير من يعلم عن كيفية تهربهم من دفع الإشتراكات التي التزموا بها.

هنا حدث الخلاف القاصم للظهر الذي كانت نتيجته الرئيسية أن أفضى إلى رحيل التجمع عن دار ود مدني وصالة الكاشف، ليدخل في دوامة من التخبط والتشرد، إلى أن استقر به المقام في الملز ناحية سجن النساء، وبقية السلسلة غير خافية على الجميع، وهي غير ذات أثر في ما أنا بصدده.

هذا ما كان من بعض ما أعلم من قصة الغائبين الحاضرين"عوض يوسف وأحمد عوّاض"، أسكنهما الله روضة من رياض الجنة وجعل مجلسهما مع الصديقين والشهداء، وحسن أولائك رفيقا، وغفر ذنوبهما وزاد في حسناتهما بقدر ما قدما من خدمات وإحسان لساكني مدينة الرياض، بالذات السودانيين منهم، وهو ما رأيت البعض منه، وهذا شيء من ما أثارت سيرتهما في وجداني من حديث التجمع واللائحة والتزوير والتحريف الذي اتبعه بعض التجمعيين المتشرذمين.

حقيقة تجمع الموسيقيين بالرياض

bottom of page