top of page

هالك وتابع

هذه قصة خيالية، لكنها حدثت في زمن ما، في أرض ما، وقد أكون أنا من تصورت ذلك، إذ ليس فيها من واقع إلا خيالي الجامح الذي استوحاها من قراءاتي لأحداث خيالية مغبَّرة مترَّبة غطت سماء بلدي حينا من الدهر، وبما أن أحداثها غطت سماء بلدي، فحتما أعطتها سماء بلدي أرضا تنتمي لها، إذ أن بلدي من خِلالها الكرمُ، وما من عابر بها إلا أعطته شيئا قيما يعكس سخاءها، وبما أن أحداثها ظلت حينا من الدهر، فقد كانت تتبع زمنا ما، وذلك ينفي أنها خيالية، ولكنها ومن شدة خياليتها لا تخضع لمثل هذا المنطق، الذي يتضح أنه خيالي، وبعد أن بعدت بنا الشقة زمنا عنها، أبت إلا أن تكرر نفسها علينا وتعيد أحداثها الغابرة الموغلة في الخيالية، فتذكرنا ببعض من حسبنا أننا نسينا أو أسقطنا في زوايا الظلال المهمَلة في ذاكرتنا، حتى أتانا من فَجَّر نَتَن الذكرى، وفرض علينا اجترار رائحتها المتعفنة، ممن ساءنا من شخصياتها، وأنا أعد القارئ الكريم أن أركز على سرد الوقائع دون تحريف، إذ كيف أحرف قصة خيالية لا تستند إلا على واقع بلد عشت بنفسي معظم مآسيه، وتعيش أنت أيها القارئ المغلوب على أمرك، البعض الحاضر الذي يصاغ اليوم أمام عينيك ورغم رفضك ودون إرادة منك، ورغم هذا فإني أعدك بالحفاظ على تصوير شخصيات أبطال قصتي في أقرب ما كانوا عليه من الحقيقة، حتى يصوروا بدورهم الوقائع التي استقيت منها ما أمكن، وليس ذاك بعسير، فهو تاريخ قريب، مازال يمور وجعا وحسرة في صدور من كابده عيشا مباشرا، وغِلًّا ورفْضا في نفوس من عانوا تبعاته إرثَ آباء قضَوا في ظُلْمه وظُلُماته، أو ذِكر إخوان دفعوا دما غاليا في سبيل تحرير وطن مازال يرزح تحت النيِّر والأغلال.

أما إن تشابهت عليكم الأحداث، واختلطت أو قرُبت من أحداث وقعت بالفعل، طاوية تاريخا قريبا أو ماضيا ليس ببعيد، فلا تحملوني وزرها، فليست قصتي سوى إعادة وسرد لبعض الماضي، كي لا ننسى، وليس عليَّ منها غير أن أحكيها لأذكركم فلا تنسوا، وليس أكثر تحقيرا من الإنسان لنفسه ولإنسانيته من أن ينسى ظلما مُورِسَ عليه، وتَعَدٍ ارتُكبَ على حقه، وإن قال قائل "المسامح كريم"، أقول له نعم، ولكن يجب أن يقدِرَ أولا ثم يسامح عن مقدرة، وإلا فمسامحته بغير مقدرة إنما هي عجز وجُبّنٌ وخُنوع، والكَرَم ليس ضعفا، ثم يبقى عليكم تفسير قصتي بما يروق لكم، وإنما أنا هنا أستند إلى المثل العامي البليغ الذي يقول "أنا مابَفسِّر، وانت ماتْقَصِّر"، وهو يحمل معناه داخله.

أنا كرهت ومازلت أكره كل حاكم مستبد ظالم، وحري به يُكرَه، فهو يأتي لاستلاب الحكم، يحمي نفسه داخل دبابة، ويحمل بين ساعديه مدفعا، ويتبعه لحمايته جيش جرار من التابعين والطامعين، يحيط بهم جيش آخر من المنتفعين المتملقين، وبعد مُضي زمان طويل، وانطواء سنين كثيرة، أخَذَت في داخلها من ظلم حكام الدبابات ما أخذت، ومضت فوق أيام مدافعها على ما مضت، أجد نفسي الآن أمقت آخرَ يحاول التشبه بذاك، رغم أني لا أحب ترداد كلمة الكراهية على لساني، ولكن هؤلاء الاثنان يفرضان الكلمة ومعناها بل طعمها ورائحتها عَلَيَّ فرضا، فذاك الحاكم البغيض كان مكروها، لا يستقيم أن يحبه إلا شخص معتوه غير سوي، عقلا وفهما ومنطقا، أما لو كان وقتها منتفعا منه مستفيدا من ظلمه، فذاك ليس حبا، بل تملق ورياء، فهو قد زرع كراهيته في أعماق كل إنسان السودان، مع إقصاء بعضهم المخدوع ببضع دريهمات كان يشتري بها ضمائرهم، وتوزيع بعض الحصانات والاستثناءات التي كان يبتاع بها ولاءهم، فلا يوجد بيت سوداني لم يصبه احتراق من ويلات ذلك الجهاز القومي، الذي كأنما ابتدعه الحاكم بأمره لمعاقبة كل من يعترضه بجريرة تواجدهم في بقعة ما من خريطة السودان بغير إذنه، أو لعدم التسبيح بمجده وحسن ذكره، أو لعقاب كل من هو أكثر منه فهما وحكمة أو أعلى مكانة بين الناس، أو حتى فقط بسبب انتمائهم للجنسية السودانية دون موافقته.

أما هذا الآخر الآني، من يتشبه بذاك الذي هلك بغير أسف، سوى أنه لم يدفع ثمن جرائره على كل شعب السودان، ولا تم عقابه عليها، فهو البرهان على ثقل الدم ودمامة المظهر، وسوء المنبت ورداءة المنقلب، زد على ذلك محاولته المتكررة تذكيري شبهه لذلك المكروه الذي ذكرت، وهو يحاول أن يشبهه في البلادة التي اشتهر بها، حتى ذاع وصف غابرهما ب"طيش حنتوب"، فوددت بذلك أن أعرف "يا ربي الحسه ده كان طيش وين"، إذ من أول الصفات التي ترددت عنه، الغباء وبلادة الشعور وعدم الفهم، وأن كل من أراد تسييره جاز له وتمكن منه لسهولة توجيهه، ويكفي أن يقاد يمينا فينصاع أو يسارا فينقاد، مثل الحمار الذي تعود أن يستجيب لجذب اللجام ولا يدري من أمره شيئا، رغم وجوب الاعتذار للحمير، فهي تؤدي شيئا فيه منفعة لنا، وقد تحققتُ من صحة المعلومة منذ الأيام الأولى لتدفق هذا الطفح المسموم على ساحتنا، حين كان يظَّاهرُ عليه، وخلال وجوده، وليس وراء ظهره، نائباه "البطل وصاحب البطل"، مثل أفلام الستينات والسبعينات التي انتشرت أيامها في صالات السينما بالسودان، حين كان هناك سودان، قبل أن يخربه ذاك الهالك، ثم يأتي على بقيته رصيفه المخلوع المأفون. سوداننا الذي يريد هذا الإمعة أن يواريه التراب، حتى صار نائباه يتوليان المواضيع فيُظهِران ويُبطِنان ثم يٌعلِنان ويُسران ومرات يُخاطِبان ويُصرِّحان، وهو موغِل في صمته وشروده يكتفي بالنظر والسمع في ذهول، حتى يحسبه الرائي مُصابٌ بالتوحُّد.

الآن يحاول "سجمان" الذي يشبه الهالك، جاهلا أو متجاهلا كراهية الشعب السوداني لكليهما، رغم أني أنظر للمسألة بعيني المدني المسالم، الذي تُشرَعُ البندقيةُ في وجهه لتخويفه وردعه، وفرضِ الأمر عليه قهرا، فقد تكون الصفات التي أكرهها في العسكر، هي الصفات التي يتباهى بها العسكر علينا، بل وعلى بعضهم، وأكثرهم حيازة لها هو أفضلهم وأعلاهم في تقييمهم المنقوص الملتوي.
محاولة هذا الدعي التشبه بذاك المريض، محاولة تنم عن تأكيد الغباء فعلا، فحين جاء الأول على متن دبابة ليستلب السلطة، كان مدعوما بأدمغة من أبرع الخائنين ومن أمهر المخططين الإنقلابيين، خططوا له وخططوا لأنفسهم بعد التلاعب به واستخدامه للاستقواء به إلى حين، ثم إزاحته بعد أن ينفذ ما خططوا له بقوة السلاح، وتنتفي حاجتهم له، ولم يكن في أي من تخطيطهم منفعة لوطنهم، رغم أنهم أسموا ما قاموا به ثورة، ذرا للغبار في العيون، وتقليلا من أعداد المناوئين، حتى يكملوا سيطرتهم، فقد كانت دوافعهم كلها مصالح فئوية انتهازية، تحمل في داخلها حب السلطة والتجبر، واستلاب حرية الشعب، ومهما كان سير الأمور حينذاك، ومهما كان تتابع الأحداث، فإنهم وفقوا في التنفيذ، ولكن جانبهم النجاح في إكمال مخططتهم، إذ أن بليدهم الهالك خدعهم وتذاكى على ذكائهم ودسائسهم وأزاحهم قبل أن يزيحوه وغدر بهم، إذ نووا الغدر به.
أما هذا الفاقد للرؤية والإدراك السليم، والذي أثبت أنه لا يتعلم شيئا، وأن التاريخ، قريبه وساحقه، لا يعني له شيئا، فقد جاء به لهذا المركز العالي على فهمه وشخصه ونوعه، حظٌ عاثر حين رمى بكبيره ورب نعمته ونعمائه في طريق ثورة الشباب، فجرفتهم جميعا وهي أولى أن تجرفهم ولو كانوا أضعافا مضاعفة، حين تم إجبار رئيسه علي اقتلاع رأسهم الأكبر، في محاولة لتهدئة جموح الثورة والثوار، وامتصاص تأجج شعلتهم، فهذه المؤسسة تعمل بالتراتبية الصرفة والتسلسل الأعمى الصارم، ولكن جموع الثوار رفضت من أتوا به في حينه، واقتلعته قبل أن يكمل بقية يومه الأوحد، وهذا ما أتى بهذا الآني، الذي بات على رأس الهرم السلطوي التراتبي حسب تدرجاتهم التي لا يقدرون على تجاوزها، فوجد نفسه كبيرا وما هو بكبير، ووجد نفسه فوق كرسي عال، فأفقده ارتفاع الكرسي توازنه، فهو أعلى من حيث تعود أن يكون، وجد نفسه رئيسا، وما صدَّق أن يكون، وفوق هذا وذاك، وجد نفسه محاطا بطامعين حاسدين من ملته وطامحين منافسين من قومه، تَحدَّهم التراتبية التسلسلية التي أتت به، ولكن يفوقونه شخوصا وقدرا، ولهم دونهم وتحت إمرتهم من الولاءات والسند ما أطمعهم بدحره والتسلق فوق ظهره، فهم غير قانعين برئاسته لهم لعلمهم بنقص إدراكه وكفاءته، إذ رأوا أنفسهم أجدر وأحق منه، فلم يجد منهم النصح، إلا ما يورطه في مزيد من كره من حوله، وهو غير مدرك للتصرف الحصيف الذي يجنبه العثرات وينجيه من الزلل، وهو أبعد ما يكون عن إرادة الشعوب، وزاد في ذلك طمعه في الاحتفاظ بكرسي وثير، أعلى كثيرا من ارتفاع قمة رأسه، إنما حملته رياح مواتية في سبيله، بلا جهد ولا علم ولا دراية، بل بلا أي استحقاق.


 

...يا إلهي، كم لهذه الثورة من قوة وعتو...

############
هاشم خوجلي
27/05/19 - 17:23

bottom of page